يكشف الكاتب محمد الطاهر في مقال نشرته المنصة كيف تحوّل بث مباريات كأس العالم من لحظة جماهيرية مشتركة إلى سلعة تجارية تخضع لمنطق الاحتكار وتقسيم الأسواق. فعلى الرغم من قدرة البنية التحتية الرقمية الحديثة على نقل المباريات بجودة عالية إلى ملايين المشاهدين في الوقت نفسه، فإن تجربة المشاهدة الفعلية تكشف واقعًا مختلفًا؛ إذ تُتاح مباراة مجانًا في دولة، بينما تُحجب جغرافيًا في دولة أخرى، أو تُربط ضمن باقة اشتراك معينة ثم تُستبعد من باقة أخرى.


لا يعود هذا النقص في الوصول إلى المباريات، وفق تحليل المنصة، إلى عجز تقني في شبكات الإنترنت أو أنظمة البث، بل يمثل جزءًا مقصودًا من الطريقة التي تُباع بها حقوق النقل التلفزيوني. إذ تحدد الشركات المالكة للحقوق من يستطيع المشاهدة ومتى وكيف، وتحول الوصول إلى المحتوى الرياضي إلى إذن مؤقت مرتبط بالموقع الجغرافي والقدرة المالية للمستهلك.


وبذلك يتحول كأس العالم من مناسبة عالمية تجمع الملايين حول شاشات واحدة إلى منتج تجاري يجري تقسيمه بين تراخيص متعددة وحدود رقمية وشروط استخدام صارمة، ما يدفع بعض المشاهدين إلى البحث عن بدائل غير رسمية، ليس دائمًا بهدف التهرب من الدفع، بل نتيجة نظام سوقي جعل الوصول إلى حدث جماهيري حقًا محدودًا لا خدمة متاحة للجميع.


احتكار حقوق البث يصنع ندرة رقمية مصطنعة


تبدأ اقتصاديات بث الرياضة، بحسب المقال، من مفهوم الملكية والسيطرة وليس من التكنولوجيا نفسها. فإنتاج البث المباشر لمباراة عالمية يحتاج إلى استثمارات ضخمة تشمل تجهيز الملاعب، فرق الإنتاج، المعدات المتطورة، وشبكات نقل البيانات حول العالم. لكن بعد إطلاق البث واستقرار البنية التحتية، تنخفض التكلفة الإضافية لإضافة مشاهد جديد إلى حد كبير.


ورغم ذلك، تعتمد نماذج الربح التجارية على التحكم في نقطة الدخول الوحيدة للمحتوى بدلًا من الاستفادة من الوفرة الرقمية. إذ تمنح حقوق البث الشركات المالكة القدرة القانونية على منع المنافسين من عرض المباريات، ما يسمح لها بفرض أسعار مرتفعة على الجمهور الذي لا يدفع مقابل منتج مادي نادر، بل مقابل المرور عبر بوابة احتكارية واحدة.


وتوضح هذه المعادلة سبب انفصال أسعار الاشتراكات عن التكلفة الحقيقية لتقديم الخدمة؛ فالمشاهد لا يدفع ثمن إنتاج صورة المباراة فقط، وإنما يدفع مقابل حق الوصول الذي تتحكم فيه الجهات المالكة للحقوق.


ويجسد كأس العالم 2026 هذا النموذج بوضوح، بعدما توسعت البطولة لتضم 48 منتخبًا و104 مباريات، وهو ما يعني زيادة فرص بيع المساحات الإعلانية، والرعاية التجارية، وحقوق النقل في مناطق مختلفة حول العالم.


وتشير تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن إيرادات دورة 2023-2026 قد تصل إلى نحو 11 مليار دولار، مع تخصيص مليارات الدولارات لحقوق البث التلفزيوني، بينما تتوقع تقديرات أخرى أن تقترب الإيرادات النهائية من 13 مليار دولار. ويظل بيع حقوق النقل التلفزيوني المحرك الأكبر لهذا النموذج الاقتصادي، ما يجعل التحكم في الوصول إلى المباريات عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأرباح.


الحدود الرقمية تقسم الجمهور العالمي إلى أسواق منفصلة


لا يتعامل أصحاب حقوق البث مع جمهور كأس العالم باعتباره مجتمعًا عالميًا واحدًا يشاهد حدثًا مشتركًا، بل يقسمونه إلى أسواق منفصلة وفق حدود جغرافية وتراخيص تجارية محددة. فالمباراة نفسها تُباع بشروط مختلفة من دولة إلى أخرى، بحسب الشركات الحاصلة على حقوق العرض والوسائل المتاحة للمشاهدة.


وتعتمد هذه العملية على تقنية الحجب الجغرافي، التي تستخدم بيانات الموقع الإلكتروني للمستخدم لمنعه من الوصول إلى محتوى متاح في دولة أخرى. وبذلك تتحول الحدود السياسية إلى حدود رقمية، إذ يبقى المشاهد مرتبطًا بعنوان الإنترنت الخاص به، ومكان تسجيل الحساب، ووسيلة الدفع المستخدمة.


ولا تؤثر هذه القيود بالطريقة نفسها على جميع الجماهير، فتكلفة الوصول تختلف بحسب مستوى الدخل، وقوة العملة المحلية، والقدرة على الاشتراك في الخدمات العالمية. وبينما تستطيع بعض الفئات تحمل تكاليف متعددة لمتابعة المباريات، يجد آخرون أنفسهم خارج دائرة المشاهدة الرسمية.


وتثبت نماذج البث المجاني في بعض الدول أن تقسيم الوصول ليس ضرورة تقنية، وإنما خيار تجاري وقانوني. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، تعرض شبكتا BBC وITV بعض مباريات كأس العالم عبر منصاتهما الرقمية مجانًا للمشاهدين داخل البلاد، كما تقدم شبكات أخرى في أستراليا وأيرلندا نوافذ مجانية مشابهة.


لكن هذا الوصول المجاني يظل مرتبطًا أيضًا بقيود التراخيص والحجب الجغرافي؛ إذ يختفي بمجرد عبور المستخدم إلى دولة أخرى، ما يؤكد أن النظام بأكمله قائم على إدارة الندرة وليس على محدودية التكنولوجيا.


سوق القرصنة الرقمية نتيجة مباشرة لاحتكار البث


لا يعني انتقاد احتكار حقوق البث تبرير منصات القرصنة الرقمية أو اعتبارها بديلًا عادلًا. فخدمات البث غير المرخصة وشبكات IPTV غير القانونية تشكل سوقًا موازية تستفيد من رغبة الجمهور في الوصول إلى محتوى حُرم منه عبر القنوات الرسمية.


وتقدم هذه المنصات عرضًا جذابًا للمستخدمين؛ إذ تجمع عددًا كبيرًا من المباريات والقنوات مقابل أسعار أقل بكثير من الاشتراكات الرسمية. لكنها تستعيد أرباحها بطرق أخرى، مثل الإعلانات المزعجة، وإعادة توجيه المستخدمين إلى مواقع خادعة، وجمع البيانات الشخصية، وفرض اشتراكات غير موثوقة، ونشر برمجيات ضارة.


ولم تعد القرصنة الرياضية مجرد روابط عشوائية تظهر قبل بداية المباراة، بل أصبحت صناعة منظمة تضم شبكات توزيع ومزودين يبيعون أنظمة بث جاهزة وخدمات إعادة بيع لمستخدمين حول العالم.


ويكشف إغلاق منصة Streameast، التي وُصفت بأنها واحدة من أكبر شبكات بث الرياضة غير القانونية، حجم هذه الصناعة الخفية؛ إذ أشارت جهات مكافحة القرصنة إلى أن الشبكة حققت أكثر من 1.6 مليار زيارة خلال عام واحد عبر عشرات النطاقات الإلكترونية المرتبطة بها.


كما أظهرت عمليات دولية أخرى ضد شبكات البث غير القانوني أن هذه السوق تعمل وفق نموذج تجاري معقد، يعتمد على عوائد الإعلانات والعملات الرقمية والبنية التحتية التقنية، وليس مجرد مبادرات فردية من جماهير تبحث عن مشاهدة مجانية.


لكن المفارقة تكمن في أن هذه المنصات غير القانونية تقدم أحيانًا ما يفتقده النظام الرسمي: تجربة مشاهدة موحدة وأسعارًا أقل ووصولًا أسهل. ومع ذلك، فإنها تفعل ذلك خارج إطار الحماية القانونية، ما يعرض المستخدمين لمخاطر تتعلق بالخصوصية وأمن الأجهزة والاحتيال الإلكتروني.


تكلفة الندرة المصطنعة على الجمهور


تدفع الفئات الأقل دخلًا الثمن الأكبر لهذا النظام؛ فبينما قد يلجأ بعض المشاهدين إلى البث غير الرسمي بسبب سهولة الاستخدام أو الرغبة في تجنب تعدد الاشتراكات، يعتمد عليه آخرون لأنهم لا يملكون بديلًا حقيقيًا.


ويتعرض هؤلاء المستخدمون لمخاطر رقمية إضافية نتيجة اضطرارهم إلى دخول منصات غير آمنة، خصوصًا مع انتشار الهواتف منخفضة التكلفة وضعف الثقافة الرقمية لدى بعض الفئات، ما يزيد احتمالات التعرض لسرقة البيانات أو الاحتيال الإلكتروني.


كما تتأثر المقاهي وأماكن المشاهدة الجماعية التي لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في تحويل كرة القدم إلى تجربة اجتماعية مشتركة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. فقد سمحت هذه الأماكن للجماهير بمتابعة البطولات الكبرى بعيدًا عن تكلفة الاشتراكات المنزلية المرتفعة، لكنها تواجه اليوم قيودًا تجارية ورسوم تراخيص باهظة.


ويرى المقال أن ضمان وصول الجمهور إلى الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى لا ينبغي أن يعتمد فقط على قرارات الشركات المالكة للحقوق، بل يحتاج إلى تدخل يحمي المصلحة العامة. فالدول التي تستطيع حجب المواقع وملاحقة الخوادم تمتلك أيضًا القدرة على تنظيم سوق الحقوق بما يضمن وصولًا أوسع للجماهير.


وفي النهاية، تكشف أزمة بث كأس العالم عن تناقض جوهري في الاقتصاد الرقمي الحديث؛ فالتكنولوجيا جعلت نشر المحتوى أسهل وأرخص من أي وقت مضى، لكن نماذج الملكية والاحتكار أعادت إنتاج الندرة حول هذا المحتوى، لتحول حدثًا عالميًا يفترض أن يجمع الناس إلى سلعة تخضع لمن يملك بوابة الدخول إليها.

 

https://almanassa.com/en/stories/32901